سورة يس هي إحدى السور القرآنية التي تحمل بين آياتها الكثير من العِبر ، ولذلك فإن فضل سورة يس عظيم كباقي سور القرآن الكريم ، وقد قيل عنها أنها قلب القرآن ، وقد كانت بدايتها تأكيدًا لرسالة الرسول وتصديقًا لما جاء به ؛ حيث يقول المولى عزّ وجل “يس (1) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (5)” ، وبها وردت قصة أصحاب القرية وثلاثة من الرسل الذين أُرسلوا من أجلهم ، وتحمل القصة عبرة عظيمة لمن يعتبر.

قصة أصحاب القرية

يقول الله عزّ وجل في هذه القصة “وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (14) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (15) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (17) قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (19)”.

يُذكر أن هذه القرية المذكورة في هذه القصة هي أنطاكية ، وكان أهل هذه القرية يكفرون بالله تعالى ؛ فأرسل الله تعالى إليهم رسولين ؛ فكذبوا الرسولين ولم يؤمنوا ، فأرسل الله رسولًا ثالثًا لعلهم يعودا إلى الله ، غير أن موقف أهل هذه القرية لم يتغير مع وجود الرسول الثالث ، وأنكروا رسالة الرسل ونبوتهم ، كما ادعوا التشاؤم منهم ، ولم يكتفوا بذلك بل هددوهم بالقتل ، وقد أكد لهم الرسل أن هذا التشاؤم من داخلهم وأنهم قوم يسرفون في الظلم والعدوان.

 الرسل الثلاث في سورة يس

هناك خلاف بين المفسرين حول هؤلاء الرسل ، ولقد ورد عن ابن جريج عن وهب بن سليمان عن شعيب الجبائي أن اسم الرسولين اللذين أرسلهما الله لأهل القرية في بداية الأمر هما شمعون ويوحنا ، أما الرسول الثالث فكان يُدعى بولس ، وقد قيل أن المسيح عليه السلام هو الذي أرسل الرسل الثلاثة إلى أنطاكية التي تُعتبر من أقدم مدن الشام من أجل نشر الدعوة إلى الله فيها ، ولكن من الراجح عند العلماء أن قصة أصحاب القرية قد وقعت قبل أن يأتي المسيح عليه السلام ، وبذلك فإن هؤلاء الرسل لم يكونوا مرسلين من قِبل المسيح ولكن أُرسلوا من عند الله عزّ وجل.

وقد وصفت الآيات الكريمة مدى قوة إيمان هؤلاء الرسل وصبرهم على أهل هذه القرية الظالمة ، وتكتمل القصة بظهور رجل كان في منطقة بعيدة عن القرية ، ولكنه حينما سمع بدعوة الرسل دخل الإيمان قلبه بلا ريب ، ويقال أن هذا الرجل كان نجارًا يُدعى حبيب النجار ، وقد التقى بالرسل الثلاثة ليتعلم منهم الإيمان ، ليصبح داعية إلى الله بعد ذلك ؛ حيث يكرمه الله تعالى فيفوز بجنات النعيم وهو يتمنى أن يعلم قومه بفضل ربه عليه.

ويقول الله سبحانه وتعالى في قصة هذا الرجل المؤمن “وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (23) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24) إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27)”.

وبعد أن أعلن هذا الرجل إيمانه وتصديقه للرسل ودعوته للإيمان بما جاءوا به ؛ قام أهل القرية بقتله لأنه آمن بهؤلاء الرسل ، ولكن الرجل قد انتقل من الحياة الفانية إلى جنات النعيم الأبدية ، ويُذكر أن الله انتقم من أهل هذه القرية دون أن يُرسل لهم المزيد من الرسل ، وذلك من خلال صيحة واحدة فقط أمر بها جبريل ؛ فشعروا بالفزع الشديد وماتوا جميعًا لهذا السبب ؛ حيث يقول الله تعالى “وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (28) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (29)”.