ماذا لو أن رجل تم احتلال بلاده وهو في الخمسين من عمره بالتأكيد سيكون خياره الأوحد هو الخضوع والاستسلام والعيش بأمان فيما تبقى له من سنوات عمره ولكنه ماذا لو كان كان يمتلك عزيمة وإيمان شيخ المجاهدين عمر المختار ، الذي كان في السبعين من عمره وتسخر واحدة من أقوى دول العالم الجيوش الجرارة ورائه أنه هو عمر المختار شيخ المجاهدين وأسد الصحراء والذي حسم موقف ليبيا من الاحتلال الإيطالي وقال أننا نقاتل لأن علينا القتال في سبيل حريتنا وديننا حتى نطرد المحتلين أو نموت في سبيل الله وليس لنا خيار غير ذلك .

ولد المجاهد عمر المختار في العام 1858م في البطنان في الجبل الأخضر في مدينة برقة وترعر في بيت عز وجاه وكرم كانت تحيط به أخلاق المسلمين والصفات الحميدة التي استمدها من الدين الحنيف ، وقد نشأ شيخ المجاهدين يتميًا فقد توفي والده وهو طفل صغير وقت قيامه برحلة الحج ثم عهد بوالديه عمر ومحمد إلى رفيقة السيد أحمد الغرياني وتولى رعايتهما تحقيقًا لرغبة والدهما وأدخلهم مدرسة القرآن الكريم وألحق عمر بمعهد دراسات الذي مكث فيه 8 سنوات ينهل فيهم من العلوم الشرعية الفقه والحديث وعلوم الحديث وأصول الفقه والسيرة وعلم التفسير وانضم إلى الحركة السنواسية .

 

ولمح فيه زعيم الحركة محمد المهدي الإدريسي النبوغ فقام جعله شيخ على زاوية القصور في منطقة الجبل الأخضر قرب المرج ، ثم اصطحبه معه خلال رحلته للسودان أما من أشهر الشيوخ الذين تتلمذ شيخ المجاهدين على أيدهم السيد الزرواني المغربي والشيخ العلامة فالح بن محمد بن عبدالله الظاهري المدني وغيرهم الكثير ، وشهدوا له جميعًا رجاحة العقل والخلق الرفيع وحب الدعوة فقد شهدت الصحراء في ليبيا المعارك التي خاضها عمر المختار وبصم عليها دماء الشهداء وقد كبد المجاهدون المحتلين خسائر هائلة لا تحصى في العتاد والذخيرة والأرواح وثبتوا أمام عدوهم مع أنهم لا يملكون أي شيء ، فقد حارب بسيفه حتى امتلأ الخروف قلوب أعدائه .

وبالرغم على أنه لم يتخرج من أي كلية عسكرية ولكنه عوض ذلك بتربيته في ساحات الجهاد وكانت جميع معاركه تعتمد على الكر والفر ولم يكن لديه جيش نظامي بل كانت حروب بسيطة لأن المجاهدين لا يمتلكون نفس القوة والعتاد وكان أول بروز له في ساحة الجهاد عام 1911م عندما احتلت إيطاليا بنغازي فقد أبدى صنوف من الشجاعة والبطولة ولفت إليه أنظار القادة العسكريين وأصبح عمر المختار قاد المجاهدين في إقليم برقة بعد انسحاب العثمانيين بضغط من أوروبا وانسحب المتطوعون من مصر بضغط من إنجلترا وجعل من مدينة سحات بالجبل الأخضر مقر للقيادة وحقق الكثير من الانتصارات على الأعداء .

 

فجعل الأعداء يفكرون في هجوم شامل على الجبل الأخضر ولكنه هزمهم شر هزيمة ولكن بعدما حدثت تغيرات سياسية في نظام الحكم في إيطاليا ومن ثم جاء الحكم الفاشي بقيادة موسوليني والذي عين بونجيوفاني حاكمًا جديدًا على ليبيا ، ووضع تحت تصرفه جيش يقوده جزار إيطاليا جرازياني بمعاونة الجنرال بادوليو والذي أحب التفاوض مع المختار ليتعرف على طريقة تفكيره ومعنوياته وسأله ما شروط المصالحة مع إيطاليا فقال ألا تتدخل إيطاليا في أمور ديننا وأن تخرج من بلادنا وعرف أنه أمام مجاهد من طراز فريد .

وأصبح عمر المختار هو الأسد الوحيد الباقي في الميدان فقد اضطر محمد إدريس السنوسي اللجوء لمصر وترك ليبيا وظل رافع لواء الجهاد ويقوم بحرب عصابات لمدة 8 سنوات وقد انقطعت عن ليبيا كل المساعدات الخارجية وزادت إيطاليا في وحشيتها حتى أنهم قتلوا في طرابلس وبرقة وحدها أكثر من نصف مليون وبالرغم من إستيلاء إيطاليا على معظم الأراضي الليبية وظل هو يجاهد ويقاتل على الرغم من سنوات عمره التي جاوزت السبعين .

وبينما كان يستطلع مع 50 من فرسانه قوات العدو في سلنطة فوجئ بقوات ضخمة من العدو تحاصره ودارت معركة غير متكافئة استشهد فيها معظم الفرسان وسقط هو بجراحه وأخذ أسيرًا ، وسجن 4 أيام وحكم محاكمة صورية وأخذ على نفسه مسئولية كل ما حدث ، وقررت المحكمة الإيطالية إعدامه وعمره تجاوز لـ 73 عامًا ، وفي يوم السادس عشر من سبتمبر عام 1931م نفذ حكم الإعدام في تمام الساعة صباحًا في مدينة بنغازي بعد جهاد طويل وقد قام قاموا بجمع حشد كبير لرؤية حكم الإعدام وقد كان الشيخ سعيد بنيل الشهادة ، وأخذت الطائرات تدوي على انخفاض لمنع الأهالي من الاستماع له وكانت أخر كلماته قبل الشهادتين نحو لا نستسلم ننتصر أو نموت وتلك ليست النهاية بل سيكون عليكم أن تحاربوا الجيل القادم والأجيال التي تليه أما أنا فإن عمري سيكون أطول من عمر شانقي .

وكان لإعدامه أثر في الخروج بالمظاهرات والمسيرات الاحتجاجية في كل الدول العربية وأقيمت المأتم له في مختلف أنحاء البلاد وصليت عليه صلاة الغائب في جامع بني أمية في دمشق وكانت ردت الفعل شعبية عارمة تجلت في الصحف والرثاء من أحمد شوقي وخليل مطران وغيرهم ، رحم الله شيخ المجاهدين ..